ابن أبي الحديد

268

شرح نهج البلاغة

فأما قوله : " أرضكم قريبة من الماء ، بعيدة من السماء " ، فقد قدمنا ( 1 ) معنى قوله " قريبة من الماء " وذكرنا غرقها من بحر فارس دفعتين ، ومراده عليه السلام بقوله : " قريبة من الماء " ، أي قريبة من الغرق بالماء . وأما " بعيدة من السماء " ، فإن أرباب علم الهيئة وصناعة التنجيم يذكرون أن أبعد موضع في الأرض عن السماء الأبلة ( 2 ) ، وذلك موافق لقوله عليه السلام . ومعنى البعد عن السماء هاهنا هو بعد تلك الأرض المخصوصة عن دائرة معدل النهار والبقاع ، والبلاد تختلف في ذلك . وقد دلت الأرصاد والآلات النجومية على أن أبعد موضع في المعمورة عن دائرة معدل النهار هو الأبلة ، والأبلة هي قصبة البصرة . وهذا الموضع من خصائص أمير المؤمنين عليه السلام ، لأنه أخبر عن أمر لا تعرفه العرب ، ولا تهتدي إليه ، وهو مخصوص بالمدققين من الحكماء . وهذا من أسراره وغرائبه البديعة

--> ( 1 ) ص 253 من هذا الجزء . ( 2 ) الأبلة بضم أوله وثانيه وتشديد اللام وفتحها : بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى ، في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة ، وهي أقدم من البصرة . مراصد الاطلاع 1 : 18